📖 الفهرس
→ الجزء السابق سورة البقرة · الجزء 1 من 6 الجزء التالي ←

بعد أن بيّن أن النجاة لا تكون إلا بالصبر والصلاة واليقين بلقاء الله، كرر سبحانه النداء على بني إسرائيل مرة أخرى، ولكن هذه المرة بصيغة أشد وأعمق، ليقيم عليهم الحجة من كل جانب: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي… وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾. فأضاف هنا تذكيرهم بأثر هذه النعم، وهو تفضيلهم على عالمي زمانهم، وهذا يضاعف المسؤولية.

ولأن التفضيل في الدنيا قد يغري بالاتكال عليه في الآخرة، جاء التحذير المزلزل مباشرة ليقطع هذا الوهم: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾. ففي ذلك اليوم، لا تنفع الأنساب ولا الوساطات، فالنجاة فردية تقوم على العمل.

وبعد هذا التمهيد الذي جمع بين الترغيب والترهيب، شرع السياق في تفصيل النعم التي أُمروا بذكرها، فبدأ يسردها نعمةً نعمة، وموقفاً موقفاً، كشريط تاريخي حي. كانت أولى هذه النعم وأعظمها هي نعمة الإنقاذ من العبودية والاضطهاد: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾. ثم انتقل إلى ذروة هذا الإنقاذ والمعجزة الحسية الباهرة التي رأوها بأعينهم، وهي فلق البحر: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾.

لكن، على الرغم من هذه المعجزة الباهرة، فإن الطبيعة البشرية المتقلبة سرعان ما انحرفت. فبعد أن أنجاهم الله، جاء الاختبار التالي، وكشفت الآيات عن أول خيانة كبرى للعهد بعد النجاة مباشرة: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾. وحين ارتكبوا هذه الخطيئة العظمى، سبقت رحمته غضبه، فجاءت الآية التالية لتذكرهم بنعمة العفو التي لولاها لما بقيت لهم باقية: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.

ولما عفا عنهم، اقتضت حكمته أن ينزل عليهم المنهج الذي يقيم حياتهم. فكانت نعمة إنزال الكتاب هي النتيجة الطبيعية للعفو: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. غير أن هذه التوبة لم تكن لتكتمل بمجرد العفو، بل كان لا بد من تطهير المجتمع من جريمة الشرك بتوبة عملية شديدة، فجاء الأمر بقتل أنفسهم. ولما امتثلوا، جاء قبول التوبة من الله التواب الرحيم.

سر الترابط: هذه الوقفة هي “وقفة المقارنة بين النعمة والجحود”. يعرض السياق نعمة إلهية كبرى (النجاة)، ثم يقابلها مباشرة بأول جحود منهم (عبادة العجل). ثم يعرض نعمة أخرى (العفو وإنزال الكتاب)، ثم يقابلها بالتوبة القاسية. إنه إيقاع متناقض يكشف عن طبيعتهم المتقلبة، ويظهر كيف أن رحمة الله كانت تسبق غضبه دائماً.